في ظِلالِ الكلمة
رسالة كورنثوس الأولى 10

أَسْبَق بَنْد - تابِع بَنْد - عَوْن

نص : ALB - INJEEL   |   صوت : MISLR - ABAUD - FOCHT   |   فيديو : BIB

أدوات الدراسة : البوليسية - الكتاب المقدس - ترجمة كتاب الحياة - الترجمة المشتركة - القاموس اليوناني - في ظِلالِ الكلمة - الخزانة من الكتاب المقدس


الصفحة 1 من 6

إنَّ سفرَ العَدَد مملوءٌ بإستعاراتٍ وصُوَرٍ مجازِيَّةٍ مُؤَثِّرَة. ولقد أعطانا الرَّسُولُ بُولُس المِفتاحَ للتَّطبيقاتِ التَّعَبُّدِيَّة والشَّخصِيَّة للسَّردِ التَّاريخي للكتابِ المُقدَّس، وذلكَ عندما قالَ، "فهذه الأُمُور جَميعُها أصابَتهُم مِثالاً وكُتِبَت لإنذارِنا نحنُ الذين إنتَهَت إلينا أواخِرُ الدُّهُور." (1كُورنثُوس 10: 11) هذا يعني أنَّهُ يتوجَّبُ علينا أن نبحَثَ عن أمثِلَةٌ تُقتَدى وتحذيراتٍ تُتَفادَى عندما نقرأُ السَّردَ التَّاريخيّ في الكتابِ المُقدَّس.

الكَلِمَةُ التي إستَخدمَها بُولُس للتَّعبيرِ عن مفهُوم "مِثال" هي كلمةٌ يُمكِنُ تَرجَمَتُها "نمُوذَج"، أو "درس مَوضُوعي صَغير،" أو "مجاز." فعندما نَقُولُ أنَّ هذا السَّفر مَليءٌ بالصُّوَرِ المَجازِيَّة، لا نَقصِدُ بِذلكَ أنَّ هذه الأحداث ليسَت أحداث تاريخيَّة حقيقيَّة. فالمجازُ هُوَ قِصَّةٌ أو حدَثٌ لدَيهِ معنىً أعمَق يُعَلِّمُنا أُمُوراً أخلاقيَّةٌ أو رُوحيَّة.


هُناكَ تحريضُ قوي يمتدُّ عبرَ سفر التثنية بكاملِه، يأمرُ بإطاعةِ نواميس الله. فعندما أطاعَ الشعبُ نواميس الله، باركهم الله. وعندما لم يُطيعوا نواميس الله، حُرِمُوا من بَرَكاتِ الله. لقد أبرزَ موسى لهم هذه الحقيقة بِصَراحَةٍ وفصاحَة، وحضَّهُم على طاعةِ كلمةِ الله. إحدى كلمات سفر التثنية المفتاحيَّة هي "الطاعة".

القصدُ الرَّئيسُ من عِظَةِ مُوسى الأُولى في سفرِ التَّثنِيَة كانَ مُساعَدَةَ هذا الشَّعب العِبريِّ على تَذَكُّرِ كيفَ عمِلَ اللهُ في حياةِ جِيلِ أهلِهم الذين سبَقُوهُم، وأن يتذَكَّرُوا المُعجزات التي حقَّقَها اللهُ لهُم. لقد ترجَّى مُوسى أن يَكُونَ للمُعجزاتِ التي أنجَزها اللهُ معَ أهلِهم في مَسيرَتِهم في البَرَّيَّة، أثراً عميقاً ودائماً على حياةِ الجيل الذي كانَ يُخاطِبُهُ آنذاك، وأن يُخبِرُوا هُم بِدَورِهم الجيلَ اللاحِقَ من أولادِهم عن هذه المُعجِزاتِ الإلهيَّةِ العظيمة.

ولقد وعظَ مُوسى أيضاً بشكلٍ قَويٍّ قائِلاً لِلشَّعبِ بأن لا ينكُثُوا عهدَهُم معَ الله. فالعهدُ هُوَ عقدٌ أو إتِّفاقٌ بينَ اللهِ وشعبِهِ. وشُروطُ هذا العقد قد تمَّ شَرحُها بِوُضُوح. فإن لم يُحافظ الشعب على شروط العقد، يبطُلُ هذا العقد. فاللهُ غير مُلزَمٍ أن يُبارِكَهم عندما لا يكونون طائِعين.

الإصحاحُ الخامس هو تكرارٌ للوصايا العشر. قارنْ ما بين التصريح الأوَّل بالوصايا العشر في خروج 20، وبَينَ تَكرارِ هذه الوصايا العشر في تثنية 5. إذا قارنتَ بِعنايَةٍ بينَ هذين السِّجِلَّينِ للوصايا العَشر، سوفَ تكتَشِفُ نظرَةً جديدَةً على نواميسِ اللهِ هذه. ففي هذه التَّكرارِ للوصايا، يَطلبُ مُوسى منَ الشَّعبِ العِبريِّ أن يَكُونَ لدَيهم قُلُوبٌ طائِعَةٌ للهِ، وأن يُطِيعُوا وصاياهُ. وإذا فعلُوا ذلكَ، سوفَ يَكُونُ كُلُّ شَيءٍ على ما يُرام معَهُم في المُستَقبَل، ومعَ أولادِهم عبرَ الأجيال.

لقد وعظَ مُوسى في سفرِ التَّثنيَةِ قائِلاً لشعبِ اللهِ: "عليكُم أن تُطيعوا كل وصايا الرب إلهِكم، وتتبعوا تعاليمَه بتفاصيلِها، وتسيروا في الطريق التي وضعها أمامكم. وعندها فقط سوفَ تعيشون طويلاً وتزدهرون." (تثنِيَة 27: 9- 11)

عظَةُ مُوسى العظيمَةُ في الإصحاح السادس، التي أصبَحت بمثابةِ قانون الإيمان اليهودي الأساسي، تُسمَّى بِ "شِمَاع"، (الذي يعني "إسمَعْ" بالعِبريَّة)، لأنَّ هذه العظة تبدَأُ بالقَول، "إسمَعْ يا إسرائيل." وهدفُ هذهِ العِظَة هو إخبار الجيل الثاني أن يُخبِروا الجيلَ الثالث لشعبِ الله بقِيَمِهم وبكلمةِ الله. نجدُ أساسَ ما نُسمِّيه التربية المسيحية في هذه العظة الجميلة لموسى.

يُقدِّمُ لنا الإصحاحُ الثَّامِنُ من سفرِ التَّثنِيَة عظةً أُخرى عظيمة وفصيحة من عِظاتِ مُوسى. وهي عِظَةٌ عن كلمة الله وأهميَّة طاعتِها. يُظهِرُ لنا مُوسى هُنا كيفَ يُمكِنُنا أن نتعلَّمَ كلمةَ الله. تُخبِرُنا هذه العظةُ العظيمَةُ عن مقاصِدِ كَلِمَةِ الله. فلقد أعطانا اللهُ كلِمَتَهُ لأنَّهُ يُريدُنا أن نعرِفَ كيفَ نعيش. فلقد خلقَنا اللهُ وهُوَ يعرِفُ كَيفَ يُمكِنُنا أن نحصلَ على حياةٍ مُتَمَّمَة. لقد جاءَ يسُوعُ قائلاً، "جِئتُ لِتَكُونَ لهُم حياةٌ وليَكُونَ لهُم أفضَل (أو: لِتَكُونَ لهُم حياةٌ فَيَّاضَة.)" (يُوحَنَّا 10: 10) يُخبِرُنا مُوسى في هذه الرِّسالَة العظيمة كيفَ يُمكِنُنا أن ندخُلَ إلى ملءِ هذه الحياةِ الفَيَّاضَة. (تثنيَة 8: 1- 14)

ويَعِظُ مُوسى أيضاً قائِلاً أن كلمةَ الله تتكلَّمُ عن الحياة. وهذا يعني أنَّكَ إذا أردتَ أن تفهمَ كلمةَ الله، فهناكَ على الأقَلّ طريقتانِ لدرسِها. أوَّلاً، يُمكِنُكَ الذهابُ إلى كليَّة لاهوت أو مدرسة كتاب مُقدَّس، ويُمكِنُكَ أيضاً التخصُّص عقلِيَّاً وأكادِيميَّاً في الكتاب المقدس. ولكن بحسب مُوسى، هذه ليست الطريقة الوحيدة لدراسة كلمة الله. فإن كانت كلمةُ الله هي عن الحياة، فهذا يعنى أن الطريقةَ الثانية لفهمِ كلمة الله هي دراسة الحياة. إنَّ كلمةَ الله تُعطينا بصيرةً في الحياة، والحياةُ تمنحنا بصيرةً في كلمةِ الله.

عندما يدَعُكُم اللهُ تجوعون وتَتألَّمُونَ من خِلالِ عواصِفِ الحياة، نلتَفِتُ إليهِ لِنُدرِكَ أنَّهُ هُوَ مَصدَرُ الحياة ومنبَعُ كُلّ ما نحتاجُهُ، لِنحيا الحياة التي أرادَها لنا عندما خلَقَنا. فمن خِلالِ تجربة التَّيَهان في البرِّيَّة الصعبة، ومن خلالِ تجارِبِ الحياة القاسِية، يُعَرِّفُنا اللهُ أنه ليسَ بالخُبزِ وحدَهُ يحيا الإنسان. ولكنَّ الإنسانَ يحيا بإطاعةِ كلِّ كلمةٍ أُعطِيت لهُ من الله. بنُو إسرائيل القُدامَى لم يتعلَّموا كلمةَ الله في كليَّةِ لاهوت ولا في مَجمَعٍ، بل تعلَّموها في مجالِ إختبارِ الحياة الواقِعيَّة.

مُلاحظة أخرى علينا أن نتَعلَّمَها من الإصحاحِ الثَّامِن من سفرِ التَّثنِيَة، هي أن نحترسَ من مخاطِرِ البحبوحَةِ والإزدِهار. هل سبقَ وأدركتَ أنَّ الإزدهارَ والبحبُوحَةَ مُمكِن أن يُشَكِّلاً تَحدِّياً صَعباً؟ لقد تعلَّمَ شَعبُ اللهِ القديم كلمةَ اللهِ من خلالِ تأديباتِ اللهِ القاسِيَة. فعندَما أُدِّبُوا على عِصيانِهم، تعلَّمُوا أنَّ كلمةَ اللهِ كانت مفتاحَ الحياة. فمُوسى الآن يُحَذِّرُهُم بأنَّهُ عليهِم أن يُطَبِّقُوا ما تَعَلَّمُوهُ في المراحِلِ الصَّعبَةِ من حياتِهم، على تلكَ المراحل التي يُبارِكُهم اللهُ فيها بِوَفرَةٍ: "لا تَنسُوا الدُّروسَ التي تَعَلَّمتُمُوها في مصائِبِكُم وأزمِنَةِ تجرِبَتِكُم. وعندما تَصِلُونَ إلى مرحَلَةِ الإزدِهار، فتلكَ هي المرحلة التي تتطَلَّبُ منكُم الكثيرَ منَ الحَذَر." يُعَبِّرُ العهدُ الجديدُ عن هذه الحقيقَة بالكلماتِ التَّالِية، "مَن يَظُنُّ أنَّهُ قائِمٌ، فليَنظُرْ أن لا يَسقُطَ هُوَ أيضاً." (1كُورنثُوس 10: 12)

بعدَ عِظتِهِ العظيمة عن كلِمَةِ الله، يُقدِّمُ مُوسى عظَةً أُخرى عظيمة عن نعمةِ الله. وبهدَفِ التَّشديد، قالَ موسى للشعب أنَّهم لم يَتِمَّ إختيارُهم من قِبَلِ اللهِ لكَونِهم صالِحينَ أو لِكَونِهم قد أرضُوا اللهَ، "الرَّبُّ إلهُكُم لم يُعطِكُم هذه الأرض الجيِّدَة لكَونِكُم أبراراً، لأنَّكُم لَستُم كذلكَ. بل أنتُم شَعبٌ شَرِّيرٌ وقاسي الرَّقبَة." (تثنية 9: 4- 6).

هذه صُورَةٌ جميلَةٌ عن نعمَةِ الله. فرَحمَةُ اللهِ تحجِبُ عنَّنا ما نستَحِقُّهُ. ونعمَةُ اللهِ تُغدِقُ علينا عطفَ وبركاتِ اللهِ التي لا نَستَحِقُّها. واللهُ لا يُبارِكُنا لكَونِنا أبراراً. بل يُبارِكُنا لأنَّهُ هُوَ البَارُّ، ولأنَّهُ يُحِبُّنا. هذا ما تعنيهِ كلمة "نعمة."

يُعطِينا مُوسى وصفاً واضِحاً وصريحاً لنعمَةِ اللهِ في هذه العظة العظيمة في الإصحاحِ التَّاسِع من سفرِ التَّثنِيَة. وسوفَ ترَونَ تشديداً على النِّعمة عبرَ الكتابِ المُقدَّسِ بِكامِلِهِ، لأنَّ نِعمَةَ اللهِ هي القُوَّة الدِّيناميكيَّة المُحرِّكَة التي نَجِدُها في مصدَرِ خلاصِنا. فنعمَةُ اللهِ لا تُكتَسَبُ أو تُنجَزُ بواسِطَةِ أداءٍ إيجابِيٍّ من جانِبِنا.

الصفحة 1 من 2

عندما حدثَت الهزيمةُ في عاي، نَقرَأُ أنَّ يشوعَ سقطَ على وجهِه مُتَضَرِّعاً بالصَّلاةِ أمامَ الله. فتَجاوَبَ اللهُ معَ صَلاةِ يَشُوع بسُؤالِه، "لماذا تبكِي أمامِي؟ لقد أخطَأَ إسرائيل!" عندما نرى براهِين عنِ الحقيقَةِ المَجيدة أنَّ اللهَ معَنا، هذا البُرهانُ يُعطينا الشَّجاعَة بأن نستَمِرَّ بالمُثابَرة، وبينما نفعَلُ هذا ينمُو إيمانُنا. ولكن عندما يتَّضِحُ أنَّ اللهَ لَيسَ مَعَنا، يتوجَّبُ علينا عندها أن نسقُطَ على وُجُوهِنا إلى أن نكتَشِفَ سببَ عدَمِ كَونِ المسيحِ معَنا. فلِماذا يتجاوَبُ اللهُ معَ صَلاةِ يَشُوع بهكذا سُؤال؟

في سِفرِ الخُرُوج، نقرَأُ أنَّ بَني إسرائيل وجدُوا أنفُسَهُم في موقِعٍ حَرِج، عندما كانت جُيوشُ مصر مُنْقَضَّةً عليهم من خَلفهم، وأمامَهُم البحرُ الأَحمر. عندَها سقطَ موسى على وجهِهِ أمامَ الرب للصلاة. فطرَحَ الربُّ على موسى السُّؤالَ نفسَهُ الذي كانَ سيطرَحُهُ على يَشُوع لاحِقاً عندما سقطَ هُوَ بِدَورِهِ على وجهِهِ للصلاةِ أمامَ الرَّبّ. لقد سألَ اللهُ مُوسى لماذا كانَ يُصَلِّي، في وقتٍ كانَ منَ الواضِحِ فيهِ تماماً أنَّهُ كانَ يتوجَّبُ عليهِ أن يُخاطِبَ شعبَ اللهِ ويطلُبَ منهُم أن يمضُوا قُدُمَاً بإتِّجاهِ البَحرِ!

بما أن أريحا كانت المدينة الأولى التي إحتَلَّها الشَّعبُ في أرضِ كنعان، تَطَلَّبَ نامُوسُ تقديمِ العُشر أن تُقَدَّمَ كُلُّ الغنائم التي سيحصَلُ الشعبُ عليها من هذه المدينة للرب. وكانَ ينبَغي أن لا يَحتَفِظَ أيُّ جُندِيٍ بأيَّةِ غنيمَةٍ من هذه المدينة لِنفسِهِ. ويتَّضِحُ هُنا أنَّ واحِداً من جُنُودِ شَعبِ اللهِ أخذاً لِنفسِهِ شَيئاً من أريحا. فطلبَ الرَّبُّ من يشُوع أن يستَعرِضَ أسباطَ إسرائيلَ الإثنَي عَشَر. عندما أظهَرَ اللهُ لِيَشُوع السِّبطَ المُذنِبَ، أمرَهُ اللهُ بأن يستَعرِضَ عشائِر هذا السِّبط. وهكذا أظهَر الرَّبُّ ليَشُوع العشيرة المُذنِبَة. ومن ثَمَّ تمَّ إستِعراضُ كُلّ عائِلة في هذه العَشيرة، رَجُلاً بعدَ الآخر، إلى أن تمَّ إكتِشافُ رَجُلٍ يُدعَى "عَخَان" وعُلِمَ أنَّهُ هُوَ المُذنِبُ الذي خانَ وصِيَّةَ الرَّبّ. ولقد إعتَرَفَ عَخان بأنَّهُ أخذَ ذَهباً وفِضَّةً ورِداءً شِنعارِيَّاً، وطَمَرَها كُلَّها في أرضِ خيمَتِهِ. وبالإختِصار تمَّ أعدامُهُ.

في هذه الأسفارِ التَّاريخيَّة، نتعلَّمُ بأن ننظُرَ دائماً إلى الأمثِلة والتَّحذِيرات (1كُورنثُوس 10: 11). تماماً كما أنَّ إيمان يشُوع هُوَ نَمُوذَجٌ لنا لنَقتَدِيَ بهِ، فإنَّ عِصيانَ عخان هُوَ تحذِيرٌ واضِحٌ لنا لنتفاداهُ ونتحاشاهُ. فعندما يَضَعُ اللهُ إصبَعَهُ على خَطِيَّةٍ في حياتِنا، علينا أن نُمِيتَ تلكَ الخَطيَّة، لكي تَعُودَ بَركاتُ اللهِ إلى حياتِنا (كُولُوسي 3: 5، 6؛ رُومية 8: 13). نرى هذا التَّأدِيب الرُّوحي مُصَوَّراً لنا في تَحذيرِ حياةِ عخان.


الصفحة 1 من 3

كما رأينا في الفَصلِ السابِق، إنَّ مَلَكُوتَ اللهِ هُو مفهومٌ بالِغُ الأهمِّيَّة، ينبَغي أن نُبقِيَهُ نصبَ أعيُننا عندما ندرُسُ الأسفار التاريخية الستة من أدب المملكة في العَهدِ القَدِيم. علينا أن نبحَثَ في هذه الأسفار أيضاً عنِ النماذِج والتحذيرات التي تُوَفِّرُها لنا. كتبَ بُولُس الرَّسُول قائِلاً "فكلُّ تلكَ الأُمور حدثت لهم مثالاً،" كما يقولُ بولس. لقد دُوِّنت هذه الأسفار كتحذيراتٍ لكَ ولي، نحنُ الذين إنتهت إلينا أواخِرُ الدهور." (1كورنثوس 10: 11). سوفَ نَجِدُ العديدَ منَ النَّماذِج والتَّحذيراتِ في الأسفارِ التي ندرُسُها الآن!

كان سفرا صموئيل الأول والثاني يُعتَبَران سفراً واحداً، وكذلكَ اعتُبِرَ سفرا الملوك سفراً واحداً، وسفرا أخبار الأيَّام سفراً واحداً. في سفرَي صموئيل ، نَجِدُ الحقيقةَ التي يُريدُ اللهُ أن يُشارِكَها معنا، والتي نجدُها في شكلِ شخصيَّاتٍ كتابية، معَ التَّركيزِ على ثلاثِ شَخصِيَّاتٍ رَئيسيَّة. فالإصحاحات الثمانية الأولى تتكلَّمُ عن حياةِ وقيادةِ الرجُل الذي سُمِّيَ السفرُ على إسمِه، صموئيل. فهو مثالٌ عظيمٌ يستطيعُ اللهُ أن يقولَ لنا أشياءَ عديدة من خِلالِ حياتِهِ. في الإصحاحات 9-15، الشخصيَّةُ الرئيسيَّةُ هي الملكُ الأوَّلُ لإسرائيل، شاوُل. وحياةُ شاوُل هي بمثابةِ تحذيرٍ رهيب. وإذ ننظرُ إلى نهايةِ حياتِه، نجدُ أن اللهَ يُعطينا تحذيراً تطبيقيَّاً. إبتداءً من الإصحاح 16 من صموئيل الأوَّل وحتَّى نهاية صموئيل الثاني (أي في ما مجمُوعُهُ ثلاثُونَ إصحاحاً)، نجدُ داوُد كالشخصيَّة الرئيسيَّة. فداود كان أفضلَ ملكٍ في إسرائيل، وقِياساً إلى المساحة التي خصَّصَها الرُّوحُ القُدُسُ لقِصَّةِ داوُد، يُمكِنُ إعتِبارُهُ واحداً من أعظم الشخصيات الكتابية.

بالإضافَةِ إلى المساحَةِ المُخَصَّصة لداوُد في سِفرَي صَمُوئيل، كتبَ داوُد أيضاً حوالي نِصفَ المزامِير. فالكَثيرُ منَ المزامِيرِ التي كتبَها تحتَوي على عناوين تُشيرُ إلى ما كانَ يحدُثُ في حياتِهِ عندما كتبَ هذا المَزمُور أو ذاك. وبإمكانِنا أن نفهمَ المزيد من قراءَتِنا لمزامِيرِ داوُد، إذا تعرَّفَنا على تفاصيلِ سِيرَةِ حياتِهِ كما وردَت في سِفرَي صموئيل الأوَّل والثَّاني. وبإمكانِنا التمتُّعَ بِبَصيرَةٍ أعمَق إلىحياةِ داوُد ومشاعِرِهِ كما نَجِدُها في سِفرَي صمُوئيل، وذلكَ من خلالِ قراءَةِ المزامِير التي كتبها عن الإختِباراتِ التي نجدُها مُسَجَّلَةً في هذينِ السِّفرَينِ التَّاريخيَّين.

فالشَّخصِيَّاتُ الثلاث الرَّئيسة التي سننظُرُ إليها خلالَ دِراسَتِنا لسِفرَي صَمُوئيل الأوَّل والثَّاني، هي صَمُوئيل، شاوُل، وداوُد. فدَعُونا نبدَأُ معَ صَمُوئيل.


الصفحة 1 من 5

(الإصحاحات 8، 9 و10)

في الحَياةِ المسيحيَّة، هُناكَ عدَّةُ قضايا لا يُمكِنُ الحُكمُ عليها بالصَّوابِ والخَطأ، ولكنَّنا قد نشعُرُ حِيالَها بشُعُورٍ سَلبِيّ، بحسبِ إنعِكاساتِها الإجتِماعِيَّة داخِل حضارة مُعيَّنة. فبالنسبَةِ لبعضِ الحضارات، هذه القضايا قد تشمَلُ شُربَ الخَمرِ، أو تسريحَةُ الشعر، أو ما شابَه. في الحضارَةِ الكُورنثُوسيَّة، كانَ اللحمُ الذي يُباعُ في الملحمة، يُذبَحُ للأوثانِ. خارِجَ الكنيسة، كانَ سُكَّانُ مدينَةِ كُورنثُوس يعبُدُونَ الأوثان، ويُقدَّمُونَ لها الذبائح نيابَةً عنهم، بما في ذلكَ الذبائح الحيوانِيَّة التي كانَ يُباعُ لحمُها فيما بعد في السوق بأسعارٍ مُخفَّضَة. وكانَ الكثيرونَ منَ المُهتَدِينَ للمسيحيَّةِ قد سبقَ لهُم وقامُوا بِهذه الممارسات الوَثَنيَّة قبلَ إيمانِهم بالمسيح. وبعدَ أن عرفُوا الإيمان المسيحي، أصبَحوا في صِراعٍ ليعرِفوا ما إذا كانَ اللحمُ الذي قُدِّمَ كذبائحَ للأوثان، ما إذا كانَ صواباً أم خطأً، وشعرَ الكثيرونَ منهُم أنَّهُ خطأٌ لأنَّهُ كانَ مُختَلِطاً بعبادَةِ الأوثان.

آخرونَ في الكنيسة، عادَةً أُولئكَ الذين كانُوا مُثقَّفِينَ، أو صارَ لهُم زمانٌ أطول في الإيمانِ المسيحيّ، لم يرَوا أيَّ خطأٍ في أكلِ اللحمِ الذي قُدِّمَ للوَثَن. فبِنَظَرِهم، لم تكُنِ الأوثانُ أكثَر من معدَنِ الذهبِ والفِضَّة والخشَب والحجر، ولم يكُنْ لهذه الأوثان أيُّ معنىً في المجالِ الرُّوحِيّ. ولقد تعامَلَ بُولُس معَ هذه الذهنِيَّة ودعمَها عندما قالَ، "فمِن جِهَةِ ما ذُبِحَ للأوثانِ نعلَمُ أنْ ليسَ وَثَنٌ في العالَم وأن ليسَ إلهٌ آخَرُ إلا واحِداً." (8: 4) لم يُعطِ بُولُس أيَّ إستحقاقٍ أو قيمَةٍ لهذه الأصنام المصنُوعة من ذهبٍ وفضَّةٍ، ولهذا وافَقَ معَ المُؤمنين الأكثر نُضجاً أنَّ أكلَ اللحم المُقدَّم للأَوثان لم يكُن لهُ إنعكاسٌ سَلبِيٌّ على الإيمان.

ولكنَّ بُولُس يُضيفُ قائلاً، "ولكن ليسَ العِلمُ في الجميع." (7) أي أن بُولُس كانَ يقُولُ بكلامٍ آخر أن ليسَ الجميعُ بالضرورَةِ على مُستَوى ذكائِكَ أنت. كتبَ بُولُس هذه الإصحاحاتِ الثلاثة لكَي يُعلِّمَ المُؤمِنَ الذي لدَيهِ علمٌ بأن لا قيمَةَ للأوثان، ماذا عليهِ أن يفعَلَ عندما يلتَقي بأخٍ مُؤمن ليسَ لديهِ هذا المُستَوى من العِلم. لقد حوَّلَ بُولُس مسارَ القَضِيَّة من أكلِ اللحم المُقدَّمِ للوَثَن، إلى العلاقات بينَ الإخوةِ والأخوات في المسيح، وكيفَ ينبَغي على المؤمنين الأقوياء أن يتعامَلُوا معَ الإخوةِ الضُّعفاء. وجواباً على الإعتِراض بأنَّهُ ينبَغي أن يكُونَ لديهم الحُرِّيَّة ليأكُلُوا ما أعطاهُم الرُّوحُ الحُرِّيَّةَ ليأكُلوه، قالَ بُولُس للإخوةِ الأقوِياء، "ولكن أنظُروا لِئلا يَصيرَ سُلطانُكُم هذا معثَرَةً للضُّعفاء... لذلكَ إن كانَ طعامٌ يُعثِرُ أخي فلَنْ آكُلَ لَحماً إلى الأبَد لِئلا أُعثِرَ أخِي." (9, 13)

عرفَ بُولُس أنَّ هذا الحَلّ سَوفَ يجعَلُ المُؤمنين الأقوياء يُفكِّرُونَ بموقِفِهم حيالَ الأمر. لقد كانَ بُولُس بطل الحُرِّيَّةِ الرُّوحِيَّة، وكانَ يكرَهُ كُلَّ أشكال النَّامُوسيَّة. لم يُحِبّ أن يرى الناس يُغيِّرُونَ تعليمَهُ ليجعَلُوا منهُ قانُوناً للمسموحِ والمَمنُوع في الحياةِ المسيحيَّة. عرفَ بُولُس أنَّ الكثيرينَ من المُؤمنينَ الأقوياء كانُوا سيعتَبِرُونَ حلَّهُ كشكلٍ من أشكالِ النامُوسيَّة. فكانُوا يُجيبُونَ على حلِّهِ بالقَول، "لِماذا تُحَدُّ حُرِّيَّتِي بضعفِ أخي؟" فكتبَ بُولُس هذه الإصحاحات الثلاثة ليُعلِّمَ الكُورنثُوسيِّين، (وأنا وأنت)، أنَّهُ من المُهِمِّ لنا كمُؤمِنين أن نُفكِّرَ بحاجَةِ الإخوة والأخواتِ الضُّعفاء، بينما نستخدِمُ حُرِّيَّتَنا في القضايا التي تُسمَّى "رَمَادِيَّة" في حياةِ الإقتِداءِ بالمسيح.



تابِع بَنْد - بشارة بَيَان

God Rules.NET
Search 100+ volumes of books at one time.