في ظِلالِ الكلمة
البشارة كما دوّنها يوحنا كلمة الله 15

أَسْبَق بَنْد - تابِع بَنْد - عَوْن

نص : ALB - INJEEL   |   صوت : MISLR - ABAUD - FOCHT   |   فيديو : LFAN - BIB - COMM

أدوات الدراسة : البوليسية - الكتاب المقدس - ترجمة كتاب الحياة - الترجمة المشتركة - القاموس اليوناني - مكتبة الأخوة - في ظِلالِ الكلمة - الخزانة من الكتاب المقدس


لآلافِ السِّنين، كانَ شَعبُ اللهِ يَطرَحُونَ السُّؤالَ، "لماذا يتألَّمُ شَعبُ الله؟" يُقدِّمُ سِفرُ أيُّوب أعمقَ وأشمَلَ جوابٍ على هذا السُّؤال. ولكنَّ سِفرَ أيُّوب ليسَ الجَوابَ الوَحيدَ الذي يُقدَّمُ على هذا السُّؤال في الكتابِ المُقدَّس. فمن سفرِ التَّكوين إلى سِفرِ الرُّؤيا، نَجِدُ أنَّ تألُّمَ شَعبِ اللهِ هُوَ مَوضُوعٌ قد تمَّت مُعالَجَتُهُ في كَلِمَةِ الله. في هذا الفَصل، سوفَ أُعالِجُ بإختِصارٍ ثلاثِينَ سَبَباً من أسبابِ التألُّم التي يُقَدِّمُها الكتابُ المُقدَّس.

1-يُمكِنُ أن يُعَلِّمَنا الأَلَمُ أنَّ اللهَ نفسَهُ هُوَ منبَعُ كُلِّ تَعزِيَة. هُناكَ فِكرَةٌ أعطَت بُولُس تَعزِيَةً عندما عانَى منَ تجرِبَةٍ صَعبَةٍ في آسيا: "مُبارَكٌ اللهُ أبُو رَبِّنا يسُوع المسيح أبُو الرَّأفَة وإلهُ كُلِّ تَعزِيَة." (2كُورنثُوس 1: 3) ولقد قادَ الأَلَمُ بُولُس ليَكتَشِفَ أنَّ اللهَ كانَ دائماً حاضِراً بِجانِبِهِ وقادِراً على تَعزِيَتِهِ. ويتحدَّانا بُولُس لنكتَشِفَ الأمرَ ذاتَهُ عندَما نتألَّمُ.

2-الألَمُ يُدَرِّبُنا ويُؤَهِّلُنا ويُعِدُّنا لنُعَزِّي الآخَرين. تابَعَ بُولُس الفِكرَةَ التي بدَأَها في المقطَعِ المُشارِ إليهِ، عندما كتبَ قائِلاً، "الذي يُعزِّينا في كُلِّ ضِيقَتِنا حتَّى نستَطيعَ أن نُعَزِّيَ الذين هُم في كُلِّ ضِيقَةٍ بالتَّعزِيَةِ التي نتعزَّى نحنُ بها منَ الله." (2كُورنثُوس 1: 4) فالمُبَشِّرُ هُوَ مُتَسَوِّلٌ يُخبِرُ مُتَسَوِّلاً آخَر عن مكانِ وُجُودِ الخُبز. والخادِمُ المُؤهَّلُ للتَّعزِيَة هُوَ صاحِبُ قَلبٍ مُتَألِّمٍ يُخبِرُ قَلباً مُتَأَلِّماً آخر عن مكانِ وُجُودِ التَّعزِيَة. فعِندَما نكتَشِفُ التَّعزِيَةَ التي يُمكِنُنا أن نجِدَها في اللهِ نفسِهِ، نُصبِحُ خُدَّاماً مُؤَهَّلِينَ للتَّعزِيَة. فقط أُولئِكَ الذين إختَبرُوا الألَم الذي أدَّى بهم إلى إكتِشافِ تعزِيَةِ الله، فقط هَؤُلاء يُمكِنُهُم أن يُخبِرُوا القُلُوبَ الأُخرى المُتألِّمَة عن مكانِ وُجُودِ التَّعزيَة.

3-الألَمُ يَقُودُنا إلى طَلَبِ حِكمَةِ الله. بِحَسَبِ يَعقُوب، عندما يَقُودُنا ألَمُنا إلى المكانِ الذي لا نعرِفُ فيهِ بِبٍَساطَةٍ ماذا ينبَغي علينا أن نفعَلَ، يتوجَّبُ علينا عندها أن نطلُبَ حكمَةَ اللهِ لأَجلِ الحكمَةِ التي لا نملِكُها. "وإنَّما إن كانَ أحَدٌ تُعوِزُهُ حِكمَةٌ فَليَطلُبْ منَ اللهِ الذي يُعطِي الجَميعَ بِسَخاءٍ ولا يُعَيِّر فسَيُعطَى لهُ." (يعقُوب 1: 5) يُؤكِّدُ لنا يَعقُوبُ أنَّ اللهَ سوفَ يغمُرُنا بالحكمَةِ التي نحتاجُها.

4-الألَمُ يَقُودُنا إلى النُّضجِ الرُّوحِيّ. علَّمَ يعقُوبُ أنَّ الألَمَ يَجعَلُنا "تامِّينَ وكامِلينَ، غيرَ ناقِصِينَ في شَيءٍ." (يعقُوب 1: 4) فإمتِحانُ الإيمانِ يَقُودُ إلى ثِقَةِ الإيمان. وثِقَةُ الإيمانِ تَقُودُ إلى إنتِصارِ الإيمان، أو إلى "إكليلِ الحَياة." (يعقُوب 1: 12)

5-الألَمُ يَقُودُنا لِلُوصُولِ إلى نعمَةِ الله. عندما يُعطينا اللهُ الحكمَةَ لأنَّنا لا نعلَمُ ماذا ينبَغي أن نفعَلَ، سوفَ نحتاجُ أيضاً إلى نعمَةِ اللهِ التي تُمَكِّنُنا من تطبيقِ الحكمةِ المُعطاةِ لنا منَ الله. كتبَ بُولُس يَقُولُ في 2 كُورنثُوس 9: 8: "واللهُ قادِرٌ أن يَزِيدَكُم كُلَّ نِعمَةٍ لِكَي تَكُونُوا ولكُم كُلُّ إكتِفاءٍ كُلَّ حِينٍ في كُلِّ شَيءٍ، تزدادُونَ في كُلِّ عمَلٍ صالِحٍ." كُلُّ نعمَة، كُلُّكُم، كُلّ حِين، كُلّ إكتِفاء، كُلّ شَيء، كُل فَيض لكُلّ عمل صالِح. لا عَجَبَ أنَّ يُخبِرَنا بُولُسَ أن نفرَحَ في الآلامِ لأنَّها تَقُودُنا إلى إكتِشافِ كنزِ الحكمة والنِّعمَةِ هذا.

6-الألَمُ يُنتِجُ شَخصِيَّةً رُوحيَّة. يُنتِجُ فينا الألَمُ تلكَ النَّوعِيَّة منَ الشَّخصيَّةِ التي لا تهرُبُ منَ الصُّعُوباتِ: "وليسَ ذلكَ فقط بَل نفتَخِرُ أيضاً في الضِّيقاتِ عالِمِينَ أنَّ الضِّيقَ يُنشِئُ صبراً، والصَّبرُ تَزكِيَةً، والتَّزكِيَةُ رجاءً، والرَّجاءُ لا يُخزِي." (رُومية 5: 3- 5أ) إنَّ هكذا كلماتٍ مثل الصبر والتَّزكِية تَصِفُ لنا ما يُمكِنُ تسمِيَتُهُ "البَقاء تحتَ الضَّغط." إنَّها تلكَ النَّوعِيَّة منَ الشخصيَّة التي تبقَى وتستَمِرُّ تحتَ الضَّغطِ، مهما صَعُبَت الظُّرُوف. هكذا تُصبِحُ البُرتُقالَةُ بُرتُقالَةً. فهي تبقَى مُعَلَّقَةً على الشَّجَرَةِ إلى أن تُصبِحَ بُرتُقالَةً ناضِجَة. وهكذا أيضاً بإمكانِ الألَمِ أن يُطَوِّرَ فينا هذه النَّاحِيَة الهامَّة منَ الشَّخصِيَّةِ الرُّوحيَّة.

7-عندَما نتألَّمُ في شَبابِنا، نكسَبُ قُوَّةً لسنِّ البُلُوغ. نقرَأُ في مراثِي إرميا 3: 27، "جَيِّدٌ لِلرَّجُل أن يحمِلَ النِّير في صِباه." فعِندما يتجرَّبُ الشُّبَّانُ و الشَّابَّاتُ، يُطَوِّرُونَ قُوَّةً وإستِقراراً سيحتاجُونها ليتحمَّلُوا التَّجارِبَ في سنِّ البُلُوغ.

8-الألَمُ يُدَرِّبُ خُدَّامَ الإنجيل. كتبَ بُولُس يَقُولُ أنَّ الألَمَ هُوَ الطريقة التي نُبَرهِنُ بها ذواتِنا بأنَّنا خُدَّامُ الله: "بل في كُلِّ شَيءٍ نُظهِرُ أنفُسَنا كَخُدَّامِ اللهِ في صَبرٍ كَثيرٍ في شَدائِد في ضَرُوراتٍ في ضِيقاتٍ." (2كُورنثُوس 6: 4) عندها يُريدُنا اللهُ أن نتجاوَبَ معَ ذلكَ "في طَهَارَةٍ في عِلمٍ في أناةٍ في لُطفٍ في الرُّوحِ القُدُس في محبَّةٍ بلا رِياءٍ في كلامِ الحَقِّ، في قُوَّةِ الله." (2كُورنثُوس 6: 6 و7أ) الألَمُ هُوَ القُوَّةُ الدِّينامِيكيُّةُ التي يستَخدِمُها اللهُ ليُؤَسِّسَ هذا "المعهد اللاهُوتيّ" الذي فيهِ يُدَرِّبُ خُدَّامَ الإنجيل.

9-الألَمُ يُقيمُ "تُخوماً عجائِبِيَّةً" في رحلاتِ إيمانِنا. عندما صَلَّى داوُد طالِباً الإنقاذ في وقتِ الأزَمة (مَزمُور 3: 1- 6)، صَلَّى بإيمانٍ وثِقَةٍ سبقَ وتبرهَن نجاحُهُما، لأنَّهُ تأكَّدَ من أمانَةِ اللهِ في أوقاتِ الأزَماتِ في حَياتِهِ. ففي كُلِّ مرَّةٍ نتأكَّدُ فيها أنَّ اللهَ مَوجُودٌ بجانِبنا في أوقاتِ الأزمَة، نكسَبُ "تُخماً عجائِبيَّاً" يُقَوِّي إيمانَنا في أزماتِ الحاضِرِ والمُستَقبَل.

10-الألَمُ يُمَهِّدُ الطريقَ لِخلاصِ الله. لقد كرزَ إشعياءُ قائِلاً أنَّ حياةَ المَسيَّا سوفَ تَكُونُ بمثابَةٍ شارِعٍ عريضٍ من خلالِهِ سيأتي اللهُ بِخلاصِهِ إلى هذا العالم: "كُلُّ وطاءٍ يرتَفِعُ وكُلُّ جَبَلٍ وأكَمَةٍ ينخَفِضُ ويَصِيرُ المُعوَجُّ مُستَقِيماً والعَراقِيبُ سَهلاً. [ويُبصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خلاصَ الله]." (إشعياء 40: 4) لقد كانت حياةُ يسُوع شارِعاً جلبَ اللهُ من خلالِهِ خلاصَهُ إلى هذا العالم. فَلِكَي نَكُونَ مثلَ اللهِ، فهذا يعني أن نَكُونَ شارِعاً يأتي اللهُ عليهِ بخلاصِهِ إلى هذا العالم من خلالِنا. فاللهُ قادِرٌ أن يأتِيَ بِخلاصِهِ إلى الآخرين من خلالِ حياتِنا، عندما تُسَوَّى جِبالُ كبريائِنا بالأرض، وعندما تمتَلِئُ فراغاتُ حياتِنا، وعندما تُقَوَّمُ خطايانا المُعوجَّة، وعندما تُعالَجُ وتُنَعَّمُ الجُرُوحُ الوعِرَة في حياتِنا والنَّاتِجَة عنِ الألَم.

11-الألَمُ يُظهِرُ قُوَّةَ الله. عندما صَلَّى بُولُس إلى اللهِ ليُريحَهُ من شَوكَتِهِ في الجَسَد، قالَ لهُ اللهُ، "تكفيكَ نِعمَتِي، لأنَّ قُوَّتِي في الضَّعفِ تُكمَلُ." (2كُورنثُوس 12: 9) فيُمكِنُ لِضَعفاتِنا أن تَكُونَ مجالاً لإظهارِ قُوَّةِ اللهِ وسُلطانِهِ. قد يَكُونُ هذا تفسيراً مُحتَمَلاً للتَّعَبِ المُزمِن الذي يُرافِقُ كُلَّ أنواعِ الأَلَم. فعجزُنا يُظهِرُ ويستَعلِنُ قُدرَةَ الله.

12-عدَم كفاءَتنا تُظهِرُ كفاءَةَ الله. الألَمُ يجعَلُ منَّا غيرَ مُلائِمين وغيرَ كَفُوئين. فلقد أُعيقَتْ كفاءَةُ بُولُس كَثيراً بِسَبَبِ شوكَتِهِ في الجَسَد. (2كُورنثُوس 12: 7- 10) ولكن عندما نَكُونُ ضُعفاء، يكُونُ اللهُ قَوِيَّاً. وعندما نَكُونُ غيرَ قادِرين، يَكُونُ اللهُ قادِراً. فاللهُ يستَطيعُ أن يستخدِمَ أَلَمَنا ليُعَلِّمَنا أينَ تنتَهي قُوَّتُنا وأينَ تبدَأُ قُوَّتُهُ.

13-الأَلَمُ قد يُشَكِّلُ فُرصَةً لتعلُّمِ التَّواضُع. كتبَ بُولُس يَقُولُ أنَّ شوكتَهُ في الجَسَد إستُخدِمَت لتمنَعَهُ من تمجيدِ نفسِهِ، لأنَّ الإختِباراتِ العجيبة التي إجتازَها، أُرسِلَت لهُ الشَّوكَةُ في الجسد كملاكِ الشيطان ليَلطِمَهُ لِئلا يرتَفِع. (2كُورنثُوس 12: 7) وبما أنَّنا يُمكِنُ أن نتجرَّبَ بالتَّنَصُّتِ على إطراءِ الآخرينَ بنا عندما يستَخدِمُنا اللهُ، وأن نسلُبَ اللهَ مجدَهُ الذي يستَحِقُّهُ، فاللهُ يستَخدِمُ أحياناً ألَمنا ليُبقِيَنا مُتواضِعين.

14-إختِباراتُ الألَم غالِباً ما تَقُودُ إلى إختِباراتٍ مُفرِحَة. نقرَأُ في المزمُور 126،

"لأن الذين يزرعونَ بالدموع يحصدُون بالإبتهاج." فالدُّمُوعُ التي نسكُبُها في أوقاتِ ألَمِنا، غالِباً ما تَكُونُ بِذاراً سوفَ تُعطي يوماً ما ثِمارَ الفَرَح. رُغمَ أنَّ الألَمَ يستَمِرُّ لموسِمٍ كامِل، ولكنَّهُ يُنتِجُ فرَحاً في مَوسِمِ الحَصاد. أحياناً يتوجَّبُ علينا أن نَنتَظِرَ للحالَةِ الأبديَّة، لِنَختَبِرَ هُتافَ الفَرَح.

15-الألَمُ يَكُونُ أحياناً تشحيلاً يبدُو وكأنَّهُ تأجيلاً لِلبَرَكَة. علَّمَ يسُوعُ أنَّنا نحنُ الأغصان وأنَّهُ هُوَ الكَرمة. لكي نحمِلَ ثماراً، ينبَغي أن نَكُونَ دائماً في علاقَةٍ معَ المسيح، الذي هُوَ كَرمَتُنا، تماماً كما تَكُونُ الأغصانُ مُرتَبِطَةً بالكَرمَة. فلِكَي نَكُونَ مُثمِرينَ، ينبَغي علينا أيضاً أن نتحمَّلَ عمليَّةَ التِّشحيل أو التنقِيَة المُؤلِمَة، لأنَّ كَونَنا قد تنقَّينا أو تمَّ تقليمُنا وتَشحيلُنا، سيجعَلُ من حياتِنا في المسيحِ أكثَرَ إثماراً وفرَحاً. (يُوحَنَّا 15: 2؛ 11)

16-الألَمُ يُعلِنُ المَسيحَ للعالَم. كتبَ بُولُس يَقُولُ أنَّنا عندما نتألَّمُ، نكُونُ آنِيَةً خَزَفِيَّةً صغيرَةً ينبَغي أن تتَحمَّلَ الآلام، علَّنا نُعلِنُ كنزَ المسيح الثَّمين، الذي هُوَ بمثابَةِ نُورٍ يَشِعُّ على هذا العالم من خلالِ الشُّقوقِ الصغيرة في إنائِنا الخَزَفِيّ. (2كُورنثُوس 4: 7- 10) فبينَما نتألَّمُ، نُصبِحُ "مُكتَئِبِينَ في كُلِّ شَيءٍ لكن غير مُتَضايِقِين،" إذ نُعلِنُ مجدَ قُوَّةِ اللهِ في جسدنا المائِت.

17-الألَمُ يُمكِنُ أن يُحفِّزَ نُمُوَّ إنساننا الدَّاخِليّ. فالإنسانُ الخارِجِيّ هوَ مُؤَقَّتٌ زائِل، أمَّا الدَّاخِليُّ فأبَدِيّ. فبينما إنسانُنا الخارِجُ يفنَى، فإنَّ إنسانَنا الدَّاخِلُ يتجدَّدُ يوماً فيَوماً، إستِعداداً للحالَة ِالأبديَّة. (2كُورنثُوس 4: 16). فألَمُنا وقتِيٌّ، ولكنَّ إنعكاساتِ ألَمِنا قد تَكُونُ أبديَّةً. هذا مفهُومٌ رائِعٌ نستطيعُ مُشارَكَتَهُ معَ أُولئكَ الذين يُعانُونَ من مَرَضٍ خَبيثٌ ينقُلُهُم من هذا العالم إلى الأبديَّة.

18-الألَمُ يستَطيعُ أن يُعَلِّمَنا قِيَماً أبَدِيَّةً. نَقرَأُ أنَّهُ في الأيَّامِ الأخيرة، ستَتَزعزَعُ الأرضُ إلى أن لا يَبقى إلا تلكَ الأُمُور التي لا تتزعزَع. (عبرانِيِّين 12: 25- 29). فَبِما أنَّ حياتَنا وقتِيَّةٌ، وقِيَمنا هي غالِباً ما تتمحوَرُ حولَ أُمُورِ هذا العالم الوَقتِيَّة، يستَخدِمُ اللهُ أحياناً الألَمَ ليَرفَعَ أعيُنَنا عن تلكَ الأُمور الوقتِيَّة، ليُثَبِّتَها على قِيَمِ الأبديَّة.

19-الألَمُ يستَطيعُ تنقِيَتَنا. "لأنَّ إلَهَنا نارٌ مُحرِقَة." (عبرانِيِّين 12: 29) فهُوَ يستَخدِمُ أحياناً الألمَ ليُحرِقَ في حياتنا كُلَّ ما يتعارَضُ معَ طبيعَتِهِ المُقدَّسَة. عمليَّةُ التَّنقِيَة هذهِ التي تُحَضِّرُنا للأبديَّة، قد تأتي إلينا بِشَكلِ الألَم.

20-الألَمُ يَكُونُ أحياناً حصادَ الخياراتِ السَّيِّئَة. فما نزرَعُه، إيَّاهُ نحصُدُ أيضاً. فإذا زرعنا فساداً، سوفَ نحصُدُ فساداً. والذِّهنُ المُنحَرِفُ الفاسِد يقُودُ حتماً إلى حياةٍ مُنحَرِِفَةٍ فاسِدة. أحياناً، عندما نتألَّمُ، نحصُدُ "مائِدَةَ العواقِب الوخيمة"، لأنَّنا نكُونُ قد زَرَعنا البُذُورَ المغلُوطَة في بُستانِ حياتِنا. (غلاطية 6: 7، 8)

21-الألَمُ يُثَبِّتُ هُوِيَّتَنا كأبناءِ الله. فاللهُ يُؤدِّبُ بأمانَةٍ أولادَهُ الحقيقيِّين. (عبرانيين 12: 4- 11؛ يُوحَنَّا 1: 12، 13). فهُوَ يتحمَّلُ مسؤوليَّةً تجاهَ أولادِهِ، لا يتحمَّلُها تجاهَ أُولئكَ الذين لا يَدْعُونَهُ أباً ورَبَّاً على حياتِهم. فبما أنَّهُ أبُونا ونحنُ أولادهُ، فإنَّهُ يُؤَدِّبُنا عندمَا نُخطِئُ.

22-الألَمُ يعني أحياناً أنَّ المسيحَ يرغَبُ بالشَّرِكَةِ معَنا. فالمسيحُ الحَيُّ المُقامُ يقرَعُ على أبوابِ قُلُوبِ أُولئكَ الذي لَيسُوا بارِدينَ ولا حارِّينَ في إلتِزامِهِم لهُ. هذا القَرعُ يُمَثِّلُ توبِيخَهُ وتأديبَهُ، عندَما نعتَبِرُهُ مُخَلِّصاً ولا نعتَبِرُهُ رَبَّاً. (رُؤيا 3: 19- 20) إنَّهُ يرغَبُ بالوُصُولِ إلى كُلِّ ناحِيَةٍ هامَّةٍ من نواحِي حياتنا، وأن تَكُونَ لنا شَرِكَة معَهُ في هذه النَّواحِي. فقَرعُ المسيحَ على قُلُوبِنا قد يأتِينا بِشكلِ الألَم.

23-كُورَةُ الخَنازِير البَعيدة غالِباً ما تُعجِّلُ الإبنَ الضَّالَّ على الرُّجُوع. تماماً كما "رجعَ الإبنُ الضَّالُّ إلى نَفسِهِ" عندما بدأَ يتألَّمُ في كُورَةِ الخنازير البَعيدة (لُوقا 15: 17)، هكذا الألَمُ أيضاً في "كُورَةِ الخنازير البَعيدة" في هذا العالم، قد يُعيدُنا إلى نُفُوسِنا، ويَقُودُنا إلى التَّوبَةِ، ويُرجِعُنا بتَصميمٍ إلى الشَّركَة معَ الآب وإلى قِيَمِهِ الأبديَّة.

24-تأديبُ الألَمِ يجعَلُنا نشتَرِكُ في قداسَةِ الله. فعندما يُؤَدِّبُنا أبُونا السَّماوِيّ بمحبَّةٍ، نقرأُ أنَّهُ يُؤدِّبُنا لأجلِ المَنفَعَة لكَي نشتَرِكَ في قداسَتِهِ. فاللهُ قُدُّوسٌ، وهُوَ يُريدُنا أن نَكُونَ قِدِّيسين. فهُوَ يستَخدِمُ أحياناً الألَم ليُساعِدَنا على فَهمِ أهَمِّيَّةِ القداسَة في شَخصِيَّتِهِ وفي شخصِيَّتِنا. (عبرانِيِّين 12: 10).

25-نتألَّمُ أحياناً لأنَّ العالَمَ يكرَهُ المسيحَ وأتباعَهُ. كتبَ بُولُس الرَّسُول قائِلاً، "وجميعُ الذين يُريدُونَ أن يَعيشُوا بالتَّقوى في المسيح يسُوع يُضطَّهَدُون." (2تيمُوثاوُس 3: 12)

26-الألَمُ يُطَهِّرُ إيمانَنا. كتبَ بُولُس قائِلاً: "الذي بهِ تبتَهِجُونَ معَ أنَّكُم الآن إن كانَ يَجِبُ تُحزَنُونَ يَسيراً بتجارِبَ مُتَنَوِّعَة. لِكَي تَكُونَ تَزكِيَةُ إيمانِكُم وهِي أثمَنُ منَ الذَّهَبِ الفانِي معَ أنَّهُ يُمتَحَنُ بالنَّار تُوجَدُ للمَدحِ والكرامَةِ والمَجد عندَ إستِعلانِ يسُوع المسيح." (1بُطرُس 1: 6- 7). فكما يُنَقَّى الذَّهَبُ بالنَّار، هكذا إيمانُنا أيضاً، الذي هُوَ أثمَنُ منَ الذَّهَبِ الفَانِي، يُنَقَّى بنارِ آلامِنا.

27-عِندَما نتأَلَّمُ، نتبَعُ بذلكَ مِثالَ مُخَلِّصِنا. كتبَ بُطرُس يَقُولُ بأنَّنا مَدعُوُّونَ لنقتَفِيَ خُطُواتِهِ. (1بُطرُس 2: 21) فلقد عانَى من نِزاعِ الصَّليب لأجلِ خلاصِنا. وأخبَرَنا صراحَةً أنَّهُ علينا أن نحمِلَ صَليبَنا وأن نتبَعَ مِثالَهُ (لُوقا 9: 23- 25؛ 14: 25- 35). فعندَما نتحمَّلُ الألَمَ لأجلِ المسيح، نَكُونُ بذلكَ نقتَفي خُطُواتِهِ.

28-الألَم يفتَحُ أحياناً البابَ لِمَلَكُوتِ الله. عندَما إضطُّهِدَ بُولُس وبَرنابا في رحلاتِهِما الإرساليَّة، شَجَّعُوا المُؤمنينَ الآخرينَ بالقَول، "ينبَغي أنَّهُ بِضِيقاتٍ كثيرة ندخُل ملكوت الله." (أعمال 14: 22) رُغمَ أنَّهُ لا يتوجَّبُ علينا أن نتألَّمَ لكَي ندخُلَ إلى ملكوتِ الله، ولكنَّ كثيرينَ يأتُونَ إلى الإيمان من خلالِ بابِ الألَمِ والضِّيق.

29-يتوجَّبُ علينا جميعاً أن ندخُلَ الأبديَّةَ عبرَ مَوتِنا وقِيامَتِنا. قالَ يسُوعُ لإمرأَةٍ في جنازَةٍ مُعَيَّنة، أنَّ مُشكِلَتَينا اللتَينِ لا حَلَّ لهُما، ألا وهُما المَرَضُ والمَوت، يُمكِنُهما أن يَكُونَا الطَّريقَ الذي يُؤدِّي بنا إلى حياتِنا الأبديَّة. (يُوحَنَّا 11: 20- 32) بإمكانِنا أن نُحَوِّلَ من هاتَينِ المُشكِلَتَين إلى تذكَرَةِ سَفَرٍ إلى بيتِنا السَّماوِيّ، وذلكَ بالإيمانِ بأنَّ يسُوعَ هُوَ الحَلّ الوَحيد لمَشاكِلِنا. ولكنَّ اللهَ لا يستطيعُ أن يُزيلَ المرضَ والمَوت، لأنَّ هذا سيحرِمُنا من طَريقِنا الوحيد للخُرُوجِ من هذا العالم. هذا سببٌ آخر يُفسِّرُ ألمَنا في بعضِ الأحيان.

30-فلسفَةُ المَوت الكِتابِيَّة. لكي يُثبِتَ الرَّاعي سُلطَتَهُ، غالِباً ما يضرِبُ الخِرافَ على قَرنِها ضرباتٍ خَفيفَة لكي يجعَلَها تربُضُ أرضاً. فبِحَسَبِ قَولِ داوُد، يُصبِحُ اللهُ راعِيَنا عندَما يُربِضُنا. (مَزمُور 23: 2). وعندَما تُوضَعُ هذه العلاقَة في إطارِها الصحيح، عندَها يَقُودُنا اللهُ إلى مياهِ الرَّاحَةِ، وإلى المراعِي الخُضر، فيفِيضُ كأسُنا رَيَّا. وعندما نَقُومُ مُجدَّداً، فإنَّ هذه المراعي تتحوَّلُ إلى مراعٍ صفراء يابِسَة، وتُصبِحُ المياهُ معكُورَةً، وكأسُنا فارِغَةً.

المَوتُ هُوَ الرَّاعي الصَّالِح الذي يجعَلُنا نربُضُ ونرقُدُ في المَوت، لكي يستَطيعَ اللهُ أن يُورِدَنا إلى المراعِي الخُضر التي لا تَيبَسُ، وإلى مياهِ الرَّاحَةِ التي لا تتعكَّرُ، وإلى الكأسِ التي لا تفرَغُ. لكي نَنالَ هذه القِيَمَ الأبديَّة، علينا أن نختَبِرَ هاتَينِ المُشكِلَتَينِ اللتَينِ لا حَلَّ لهُما، ألا وهُما المرَضُ وا لمَوت. هذا هُوَ التَّفسيرُ الكِتابِيُّ النِّهائِيُّ لسماحِ اللهِ لنا بأن نتألَّمَ أحياناً.

لدى كلِمَةِ اللهِ الكَثير لِتَقُولَهُ لنا عن الألَم، لكن هُناكَ الكثيرُ منَ آلامِ شعبِ اللهِ التي لا نفهَمُها. الكَلِمَةُ التي نستَخدِمُها أكثَرَ من غَيرِها في هذا العالم هي، "لِماذا؟" أمَّا الكَلِمَةُ التي سنستَخدِمُها أكثَرَ من غَيرِها في السَّماءِ فسَتَكُونُ كلمة التَّعجُّب، وبعدَ التَّعجُّبِ لعشرَةِ آلافِ سنَةٍ، سوفَ نبدَأُ بالقَولِ "هَلِّلويا."

يعتَقِدُ مُعظَمُ المُفسِّرون أنَّ إنجيلَ يُوحنَّا ينتَهِي بالعدد الحادي والثلاثين من الإصحاح العشرين. الإصحاحُ الحادي والعشرون كانَ جزءاً من هذا الإنجيل منذُ أن كُتِبَ، ولكنَّ بعضَ المُفسِّرينَ يعتَقِدونَ أنَّهُ أُضيفَ كمُلحَق فيما بعد. في الإصحاحِ الخِتامِيّ، ذكَّرَ يسُوعُ سبعَةً من الإثني عشر – وبطرُس – أنَّهُ لم يُرسِلْهُم ليصطادوا السمك، بل النَّاس! (21: 1- 14).

إنَّ هؤلاء الرُّسُل كانُوا يعمَلُونَ عملاً غيرَ مُثمِرٍ في صيدِ السمك طوالَ الليل. فوجَّهَهُم يسُوعُ من الشاطِئ ليُلقُوا شِباكَهُم إلى الجانِبِ الآخر من سفينتِهم. وسُرعانَ ما إمتَلأتِ الشباكُ بالسمك حتَّىأدرَكَ يُوحنَّا أنَّ هذا الغريب الواقِف على الشاطي هو الربّ.

يُعتَبَرُ هذا ظُهورٌ آخر من ظُهُوراتِ يسُوع حيثُ لم يُميِّزْهُ تلاميذُهُ الذي عرفُوهُ وأحبُّوهُ مُسبَقاً (لُوقا 24: 30، 31). لقد كانَ صيدُ السمك الذي أمسكُوهُ عجائبيَّاً، ممَّا جعلَهُم يعرِفُونَ أنَّ الغريبَ الذي كانَ على الشاطِئ هو ربُّهُم. عندما أدركَ بطرُس أنَّهُ الرَّبّ، ألقى نفسَهُ مُباشرةً في الماء وسبحَ بإتِّجاهِ الشاطِئ. فقدَّمَ لهُم الربُّ ترويقَةً من الخُبزِ والسمك الذي كانَ قد أعدَّهُ لتلاميذِهِ.

هُنا حدَثَ لقاءٌ مُحيِّرٌ بينَ يسُوع وبطرُس، حيثُ علَّمَ يسُوعُ هذا الرَّجُلَ، الذي سيكونُ القائدَ الأساسيَّ في الكنيسة، ثلاثةَ دُرُوسٍ حيويَّة عن إصطيادِ الناس أمثال أولئكَ الذين تأمَّلنا بهم عندما درسنا لِقاءَ يسُوع معَ بطرُس كما يُسجِّلهُ إنجيلُ لُوقا (5: 1- 11). بإمكانِنا القول أنَّهُ في هذه المُقابَلة، كانَ يسُوعُ يُكوِّنُ في بطرُس شخصيَّةً هامَّةً من نكِرَة (21: 15- 17).

فمنذُ اليومِ الأوَّلِ من لِقائِهما، كانَ يسُوعُ يُعلِّمُ بطرُس ثلاثَةَ دُرُوس: أنَّ بُطرُس نَكِرة أو لا أحد ذو أهمِّيَّة، ثُمَّ أنَّهُ شخصٌ لهُ قيمة، ومن ثمَّ ماذا يستيطعُ يسُوعُ أن يعمَلَ من خِلالِ شخصٍ تعلَّمَ أنَّهُ لا أحد. لقد كانَ بطرُس يتعلَّمُ الدرسَ الأوَّلَ من اللقاءِ الأوَّل الذي إلتقاهُ بالمسيح، إلى أن خرجَ إلى الظُّلمَةِ وبكى بُكاءً مُرَّاً، لأنَّهُ أنكَرَ مُعلِّمَهُ ثلاثاً.

في هذه اللقاء، كانَ يسُوعُ يُحاوِلُ أن يُعلِّمَ بطرُس الدرسَ الثاني: أنَّهُ كانَ أحداً ذا قيمَة. ففي يومِ الخمسين، تعلَّمَ بطرُس، والكنيسة، والعالم أجمع الدرسَ الثالِث: ما يستطيعُ المسيحُ الحيُّ القائِمُ من الأموات أن يعمَلَهُ من خِلالِ شخصٍ تعلَّمَ أنَّهُ نكِرة أو لا أحد.

سبعَةٌ من الرِّجال الذينَ كانُوا هُناكَ ذلكَ الصباح، كانُوا أيضاً حاضرينَ في العُلِّيَّة، عندما إفتَخَرَ بطرُس أنَّهُ كانَ يُحِبُّ الرَّبَّ يسُوع أكثَرَ منهُم جميعاً. وفي حُضُورِ هؤلاء الرجال السبعة، بدأَ يسُوعُ حوارَهُ العميق معَ بطرُس. هُناكَ بِضعُ تفسيراتٍ مُحتَمَلَة للمعنى العميق لهذه الأسئِلة والأجوِبَة التي تبادَلَهَا بُطرُس معَ المسيح في هذا الحوار. إحداها أنَّ يسوعَ يسألُ بطرُس إن كانَ فعلاً يُحِبُّ ربَّهُ ومُعلِّمَهُ أكثرَ من الآخرين الذين تبِعوا يسُوع وبطرُس إلى تِلكَ الترويقة على الشاطيء. تفسيرٌ آخر هو أنَّ يسُوعَ يسألُ بطرُس إن كانَ يُحِبُّ ربَّهُ أكثَر من السمك الذي إلتقَطَهُ. هذا يعني مصلحة صيد السمك بكامِلها التي أتقنها بطرُس. فكما تعلَّمَ بطرُس في مُقابَلَةٍ سابِقة معَ الرَّبّ، أرسلَ يسُوعُ بطرُس في مُهِمَّةٍ لِصيدِ النَّاس، أمَّا الآن فكانَ بطرُس قد عادَ إلى مصلَحَةِ صيدِ السمك (لُوقا 5: 1- 11).

لكي نُقدِّرَ جدِّيَّةَ دراما الحديث الذي كانَ يدُورُ بينَ يسُوع وبُطرُس، من المُهِمِّ أن نفهَمَ، بِلُغَةِ الحوار الذي دُوِّنَ في هذا الإطار، معنى كلمة محبَّة التي إستُخدِمَت تِباعاً بينَهُما. فمثلاً، عندما سألَ يسُوعُ بطرُسَ في محضَرِ هؤلاء الرجال السبعة، إن كانَت محبَّةُ بطرُس للرَّبِّ أعظَمَ من محبَّةِ باقِي الرُّسُل، إستَخدَمَ يسُوعُ الكلمة اليُونانيَّة "آغابِّي."

هذا يعني أنَّ يسُوعَ كانَ يسألُ بطرُس إن كانَت محبَّتُهُ لمُعلِّمِهِ إلتزاماً كامِلاً، غيرَ مشرُوط، أي ذلكَ النوع من المحبَّة التي تمَّ وصفُها في 1كُورنثُوس 13: 4- 7. عندما أجابَ بطرُس أنَّهُ يُحِبُّ الرَّبَّ، إستَخدَمَ بطرُس الكلمة اليُونانيَّة "فيلِيُو." إنَّ معنى هذا هو أنَّهُ يعتَرِفُ بأنَّ محبَّتَهُ ليسُوع هي مُجرَّدُ صداقَةٍ سطحِيَّة.

فسألَهُ يسُوعُ بُطرُسَ ثانِيَةً إن كانَ فعلاً يُحِبُّهُ. وثانِيَةً إستخدمَ يسُوعُ كلمة "آغابِّي." ولكن هذه المرَّة لم يسأَلْ بطرُس إن كانَت محبَّتُهُ لرَبِّهِ أعظم من محبَّةِ الرُّسُل السبعة الآخرين. وهُنا أيضاً أجابَ بطرُس مُستَخدِماً كلمة "فيلِيُو." لقد إعتَرَفَ بطرُس ثانِيَةً أنَّ محبَّتَهُ ليسُوع هي مُجرَّد صداقَة.

للمرَّةِ الثالِثة، سألَ يسُوع بطرُس إن كانَ يُحِبُّهُ، وفقط في هذه المرَّة إستَخدَمَ يسُوعُ في سُؤالِهِ كلمة "فيلِيُو." فيسُوعُ كانَ يسألُ بطرُس عندها إن كانَت محبَّتُهُ لِرَبِّهِ تَصِلُ فعلاً إلى مُستَوى الصداقة. بدا بطرُس وكأنَّهُ مجرٌوحٌ بعُمق، فأجاب، "يا رَبّ أنتَ تعرِفُ كُلَّ شَيء. أنتَ تعرِفُ أنِّي أُحِبُّكَ." وللمرَّةِ الثالِثة، إستَخدَمَ بُطرُس الكلمة اليُونانِيَّة ذاتها "فيلِيُو." لقد كانَ بطرُس يقُولُ ليسُوع، "أنتَ تعرِفُ أنَّني على الأقل صديقُكَ."

إنَّ هذه الدراسة للكلمة اليُونانِيَّة تُخبِرُنا أنَّ بطرُس كانَ رجُلاً مكسُوراً. فهُوَ لا يفتَخِرُ الآن كما كانَ يفتَخِرُ عندما كانَ في العُلِّيَّة. الآن إنَّهُ يعتَرِفُ ويختَبِرُ أوَّلَ تطوبيتين: لقد كانَ حزيناً لأنَّهُ تعلَّمَ أنَّهُ مِسكينٌ في الرُّوح.

إنَّ هذا الحِوار بينَ يسُوع وبُطرُس يلمُسُ القَلبَ عندما نُدرِكُ أنَّ كُلَّ مرَّةٍ يعتَرِفُ فيها بطرُس بمحبَّتِهِ الناقِصَة للرَّبّ، فجواباً على إعتِرافِ بطرُس الشفَّاف، كلَّفَهُ يسُوعُ بأن يرعى غنمَهُ. إنَّ راعي الخِراف العظيم يُقدِّمُ تصريحاً واضِحاً، أنَّهُ يُريدُ أن يقُومَ هذا الرجُل الذي إختبَرَ الفَشَل، يُريدُهُ أن يُطعِمَ غنمَهُ ويرعاها. فمن الواضِحِ إذاً أنَّ الرَّبَّ لا يُريدُ راعِياً كامِلاً يضعُ مُتَطلِّباتٍ قاسِية غير واقعِيَّة على خرافِ الرَّبّ.

لماذا أظهَرَ المسيحُ قوّتَهُ العظيمة يومَ الخمسين في هذا الرَّجُل بطرُس؟ عندما نفهَمُ دوافِعَ هذه المُقابَلة على الشاطيءِ ذلكَ الصباح، سوفَ نعرِفُ الجوابَ على هذا السُّؤال. لقد تعلَّمَ بطرُس، أكثرَ من باقِي الرُّسُل، ما كانَ بإستطاعَةِ المسيح أن يعمَلَهُ من خِلالِ شخصٍ تعلَّمَ أنَّهُ نكِرَة أو لا أحد.

في هذا الإطار، علَّمَ يسُوعُ أيضاً درساً حيويَّاً عن إرادَةِ اللهِ لحياةِ التلميذ (يُوحنَّا 21: 18- 23). لقد كانَ بطرُس يفتَخِرُ غالِباً بكَونِهِ راغِباً بأن يمُوتَ من أجلِ يسُوع. في هذا الإصحاحِ الخِتامِي من إنجيلِ يوحنَّا، نَقرَأُ أنَّ يسُوعَ القائِم من الأموات قرَّرَ أن يُخبِرَ بطرُس عنِ الطريقَة التي سيمُوتُ بها. إذا كانَ التقليدُ على حقّ، هذا يعني أنَّ يسُوعَ أخبَرَ بطرُس أنَّهُ كانَ سيُعطي الإمتِياز بأن يُصلَبَ رأساً على عَقِب من أجلِ سيِّدِهِ.

عندما سمِعَ بطرُس هذا، أظهَرَ طبيعَتَهُ الإنسانيَّة مُشيراً إلى يُوحنَّا، الذي كانَ رفيقَهُ في مصلحة صيدِ السمك، فسألَ بُطرُس يسُوع بما معناهُ، "وماذا عن يُوحنَّا؟ ما هِيَ إرادَتُكَ لِحياتِهِ ومَوتِه؟" أجابَ يسُوعُ بإخبارِ بطرُس أنَّ إرادَتَهُ لحياةِ يُوحَنَّا وموتِهِ ليسَت من شأنِ بطرُس. فكانت كلمةُ يسُوع لبُطرُس، "وأنتَ ماذا لكَ؟ إتبعني أنت!"

بعنايَةِ الله نحنُ جميعاً مُخطَّطٌ لنا أن نكُونَ فَريدين ومُمَيَّزِين كُلٌّ منَّا عنِ الآخر. فنحنُ نستعيدُ هذه الشخصيَّة الفريدة من خِلالِ خلاصِنا. فلماذا نتوقَّعُ إذاً أن نجِدَ إرادَةَ الله لِحَياتِنا، التي ستجعَلُنا مُمَيَّزينَ عن كُلِّ شخصٍ آخر على الأرض، بمُقارنةِ نُفُوسِنا معَ إرادَتِهِ للمُؤمنينَ الآخرين؟

في هذا الظُهُورِ ليسُوع بعدَ القِيامة، ذكَّرَ الرُّسُلَ بِوُضُوحٍ أنَّهُم أُرسِلُوا من قِبَلِهِ ليصطادوا النَّاس. ولقد حضَّهُم أيضاً على رِعايَةِ وتَنمِيَةِ الخرافِ الضالَّةِ التي سيربحونَها من خِلالِ الحصاد العظيم الآتي. في حِوارِهِ معَ بطرُس، تحدَّى يسُوعُ الرُّسُلَ أن يكتَشِفوا إرادتَهُ لحياتِهِم كأفرادٍ، فيما يتعلَّقُ بالدَّور الذي يُريدُهم أن يلعَبُوهُ في خدمَةِ الحصادِ والتنمِيَةِ التي ستبدَأُ يومَ الخمسين، عندما ستُولَدُ الكنيسة.

إنَّ الإصحاحَ الأخير من إنجيلِ يُوحنَّا هُوَ مثل سِمفونيَّةٍ او معزُوفَةٍ في ثلاثَةِ مقاطِع. المَقطَعُ الأوَّلُ هو تحدِّي يسُوع لهؤلاء الرُّسُل أن ينخَرِطُوا في الحصاد العظيم الآتي، وأن يتأكَّدوا من كونِهم يُلقُونَ شبكَةً كبيرةً. المَقطَعُ الثاني هو تحدِّيهِ لبُطرُس والرُّسُل السبعة بأن ينخَرِطوا في رِعايَةِ وتنمِيَةِ الذين تيقَّنُوا من حصادِهم. المقطَعُ الثالِث هُوَ لهُم، وبالتطبيق لكَ ولي، أن نكتَشِفَ إرادَة الله الخاصَّةً بحياةِ كُلِّ واحدٍ منَّا بينما نُطيعُ مأمُوريَّتَهُ العُظمى.

عندما أشارَ كُتَّابُ الأناجيل الثلاثة الأُولى إلى موتِ يسُوع على الصليب، عبَّروا عن ذلكَ ببساطَةٍ في كلمة: "صَلَبُوهُ." بما أنَّ نِصفَ الإصحاحاتِ تقريباً في إنجيلِ يُوحنَّا مُخصَّصَةٌ للأسبُوعِ الأخير من حياةِ المسيح وموتِهِ وقيامَتِهِ، فإنَّ هذا الإنجيل لديهِ السجلّ الأعمَق عن أعظَمِ أزمَةٍ في حياةِ المسيح. وكما سبقَ وشرحتُ، لديَّ ستَّة كُتَيِّبات أُخرى تتكلَّمُ بِشكلٍ أعمَقٍ عن أكثَر من مائة برنامج إذاعِي عن إنجيلِ يُوحنَّا. وسوفَ أحتَفِظُ لهذه الكُتَيِّبات بما لديَّ لأقُولَهُ عن وُجهَةِ نظَر يُوحنَّا حولَ موتِ وقِيامَةِ يسوع المسيح.

أختُم هذه الدراسة المُوجَزة لإنجيلِ يُوحنَّا بوضعِ تحدٍّ أمامَكَ. عندما تنتَهي من قراءَةِ هذا الإنجيل العميق، تأمَّلْ بِكُلِّ مُواصفات المسيح واسألْ نفسَكَ: من هُوَ يسُوع، وما هُوَ الإيمان؟ ثُمَّ إسألْ نَفسَكَ برُوحِ الصلاة إن كُنتَ تعرِفُ بالإيمان يسوع المسيح الذي قرأتَ عنهُ في هذا الإنجيل. إذا عرفتَهُ بالإيمان، سيكُونُ لديكَ حياةٌ أبديَّة، لأنَّكَ ستكونُ في علاقةٍ معَ المسيحِ الحيِّ الأبديّ القائم من الموت تماماً مثل العلاقة الحيويَّة بينَ الكرمة والأغصان.

أحدُ تلاميذ المسيح القائم من الموت، والذي كان لديهِ هذا النَّوع من العلاقة معَهُ، تأمَّلَ بالنظراتِ الجديدة المُتحرِّرة حولَ المسيح وقالَ، "أنا أُؤمِنُ بأنَّهُ مَوجُودٌ، بينما الآخرونَ لا يُؤمنونَ حتَّى بوُجُودِه. وبينما يرتابُونَ في حقيقَةِ كونِهِ قد وُجدَ، فأنا أعرِفُ يقيناً أنَّهُ مَوجُودٌ وحيٌّ اليوم." وقالَ أحدُ التلاميذ القُدامى أيضاً، "المسيحُ المُقام هو تماماً من يقُولُ أنَّهُ هُوَ، وبإمكانِهِ أن يعمَلَ أيَّ شيءٍ يقُولُ أنَّهُ يعمَلُهُ. وأنتَ كما يقولُ عنكَ أنَّكَ أنت، وبإمكانِكَ أن تعمَلَ أيَّ شيءٍ يقُولُ هُوَ أنَّكَ تستطيعُ أن تعمَلَهُ، لأنَّهُ حَيٌّ فيكَ."

هذا ما تعلَّمَهُ بطرُس من رَبِّهِ يسُوع على الشاطِئِ ذلكَ الصباح. إنَّ صلاتي الحارَّة والمُخْلِصَة هي أن تتعلَّمَ أنتَ أيضاً هذه القِيَم الأبديَّة بينما تختَبِرُ الحياةَ الأبديَّة، بعدَ أن درستَ معي هذا الإنجيل المُفضَّل.


تابِع بَنْد - بشارة بَيَان

God Rules.NET
Search 100+ volumes of books at one time.